ابن بسام

142

الذخيرة في محاسن أهل الجزيرة

وأمّا القيسان وطبقتهما : فطبقة عشقة توقة ، استحوذت الصّبابة على أفكارهم ، واستفرغت دواعي الحبّ معاني أشعارهم ، فكلّهم [ 86 ] مشغول بهواه ، لا يتعدّاه إلى سواه . وأمّا كثير : فحسن النسيب فصيحه ، لطيف [ 1 ] العتاب مليحه ، شجيّ الاغتراب قريحه ، جامع إلى ذلك رقائق الظّرفاء ، وجزالة مدح الخلفاء . وأمّا الكميت والرمّاح ، ونصيب والطّرماح ، فشعراء معاصرة ، ومناقضات ومفاخرة ، فنصيب أمدح القوم ، والطّرماح أهجاهم ؛ والرّماح أنسبهم نسيبا ، والكميت أشبّهم تشبيبا . وأمّا بشّار بن برد : فأوّل المحدثين ؛ وآخر [ 2 ] المخضرمين ؛ وممّن لحق الدولتين ، عاشق سمع ، وشاعر جمع ، شعره ينفق عند ربّات الحجال ، وعند فحول الرّجال ، فهو يلين حتى يستعطف ، ويقوى حتى يستنكف [ 3 ] ، وقد طال عمره ، وكثر شعره ، وطما بحره ، وثقب في البلاد ذكره . وأمّا ابن أبي حفصة ، فمن شعراء الدّولتين ، وممّن حظي بالنّعمتين ، / ووصل إلى الغنى بالصّلتين ، وكان درب المعول ، ذرب المقول ، والد شعراء ، ومنجب فصحاء . وأمّا أبو نواس ، فأوّل الناس في خرم القياس ، وذلك أنه ترك السّيرة الأولى ، ونكّب عن الطريقة المثلى ، وجعل الجدّ هزلا ، والصّعب سهلا ، فهلهل المسرّد ، وبلبل المنضّد ، وخلخل المنجّد ، وترك الدّعائم ، وبنى على الطامي والعائم [ 4 ] ، وصادف الأفهام قد نكلت ، وأسباب العربيّة قد تخلخلت وانحلّت ، والفصاحات الصحيحة قد سئمت وملّت ، فمال الناس إلى ما عرفوه ، وعلقت نفوسهم بما ألفوه ، فتهادوا شعره ، وأغلوا سعره ، وشغفوا بأسخفه ، وكلفوا بأضعفه . وكان ساعده أقوى ، وسراجه أضوى ، لكنه عرض الأنفق ، وأهدى الأوفق ، وخالف فشهر وعرف ، وأغرب فذكر واستطرف . والعوام تختار هذه الأعلاق ، وأسواقهم أوسع الأسواق ، فشعر أبي نواس ، نافق عند هذه

--> [ 1 ] ل : نظيف . [ 2 ] ص : وأحد . [ 3 ] ص : ينكسف . [ 4 ] ص : والقائم .